الشريف المرتضى
266
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
تدّعون أنّهم كانوا متى همّوا بالمعارضة وراموا فعلها ، صرفوا عنها وأفقدوا العلوم الّتي تتأتّى معها ، لا بدّ من أن يكونوا عارفين بذلك من أحوال أنفسهم ، ومميّزين بين أوقات المنع والتّخلية . وإذا كانت معرفتهم به واجبة ، وكان أمرا خارقا لعادتهم مباينا لسنّتهم ومذاهبهم ، فلا بدّ من أن يتذاكروه ويتفاوضوه ، ويخوضوا فيه ، ويعجبوا منه ؛ لأنّ النفوس مولعة بذكر العجائب ، ملهية بنشر الغرائب ، بهذا قضت العادات ، وعليه دلّت التّجارب ، وهو أصل في باب الأخبار ومعرفة الحوادث كثير ، متى نقضه ناقض لزمه من الجهالات ما لا قبل له به . وإذا كان الخوض فيما ذكرناه لا بدّ أن يقع بمجرى العادة فلا بدّ أن يكون ظاهرا فاشيا ؛ لأنّ ظهور الشّيء وبروزه ، إنّما يكونان بحسب موقعه من النّفوس ، وبقدر الاهتمام به ؛ والاهتمام به يكون بقدر استغرابه واستطرافه . فإذا انضاف إلى الاستغراب والاستطراف ما يرجع إلى المنافع ودفع المضارّ ، قويت دواعي الإعلان وتأكّدت . وإذا كان الظّهور واجبا فواجب حصول العلم به وزوال الرّيب فيه ، كما حصل العلم بجميع ما جرى مجراه من أحوال القوم وأفعالهم الظّاهرة . وكيف لا يكون ذلك معلوما لنا ، إذا فرضنا ظهوره من القوم ووقوع الخوض منهم فيه ، وعناية سلفنا بنقل ما جرى مجراه من آيات النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبراهينه ومعجزاته ، أتمّ عناية وأوفرها . ولا شيء أظهر وأكبر في باب الدّلالة والآيات من اعتراف العرب بما يجدون أنفسهم عليه من المنع عن المعارضة . وفي ارتفاع العلم دلالة على أنّه لم يقع هناك خوض فيه وتحدّث به ، وإذا لم يجر شيء من ذلك فلا صرفة .